فن العتاب من منظور إنساني وتربوي بقلم د . أماني وحيد

فنُّ العتابِ.. بقلم: د. أماني وحيد جرجس 
مدرس التربية المقارنة والإدارة التعليمية – كلية التربية، جامعة المنيا

في حياتِنا نحن نختلفُ عن الآخرينَ في شخصيّاتِنا وطباعِنا وظروفِ حياتِنا، حتّى داخلَ الأسرةِ الواحدةِ يختلفُ الأبناءُ في الطباعِ والتصرّفاتِ وردودِ الأفعالِ، وهكذا يختلفُ الزوجُ عن الزوجةِ، وهكذا نحن نختلفُ عن الجيرانِ والأصدقاءِ والآخرينَ بشكلٍ عامٍّ. هذا الاختلافُ طبيعيٌّ للغايةِ ومفيدٌ حتّى لا تكونَ الحياةُ مملّةً وليسَ بها جديدٌ، حتّى إنَّنا نعلمُ أنَّ لكلِّ شخصٍ بصمةً ليستْ متكرِّرةً مع شخصٍ آخر، لقد خلقَنا اللهُ مختلفينَ حتّى نكمِّلَ بعضَنا البعضَ ونحتاجَ إلى الآخرينَ.

ويأتي الاختلافُ نتيجةَ عدمِ تَقبُّلِنا للاختلافاتِ، حيثُ نتعرَّضُ كثيرًا لمواقفِ خلافٍ بيننا وبينَ الآخرينَ، قد يكونُ الآخرونَ خارجينَ عن دائرةِ حياتِنا، أو ضمنَ دائرةِ حياتِنا، ولكن هل يبقى الخلافُ طويلًا؟! هل يستريحُ الشخصُ طالما عاشَ في خلافٍ؟! وإنِ استراحَ، هل هذا صحيحٌ؟ وهل للحياةِ معنًى إذا عاشَ الإنسانُ بدونِ أنْ يصلَ إلى نقطةِ راحةٍ واستقرارٍ مع الآخرينَ؟!

كثيرونَ يُعانونَ من سُوءِ فَهْمِ الآخرينَ لهم، ويريدونَ العتابَ والمصالحةَ لاستعادةِ العلاقاتِ الطيِّبةِ مع الآخرينَ، أينَ كانوا داخلَ أم خارجَ دائرةِ حياتِهم. هنا يأتي ما يُعرَفُ بفنِّ العتابِ، عندما تُعاتبُ الآخرَ، اسألْ نفسَكَ جيِّدًا قبلَ العتابِ: هل أنتَ من الداخلِ لا تحملُ أيَّ بُغضٍ أو كُرْهٍ؟! وهل نسيتَ الموقفَ وغفرتَ له من داخلِكَ؟! السؤالُ الآخرُ: هل هذا الشخصُ تُحبُّه وتريدُ استعادةَ العلاقةِ معه؟! لأنَّه بدونِ ذلك، يزدادُ العتابُ وقد يتحوَّلُ إلى خلافٍ أكبر.

هناكَ عباراتٌ لها تأثيرٌ قويٌّ لا بُدَّ منها لكي تبدأَ العتابَ؛ (أنتَ عزيزٌ عليَّ، لا أريدُ خسارةَ معرفتِكَ، إنِّي أحبُّكَ، إنِّي غيرُ مستريحٍ عندما تكونُ غيرَ راضٍ عنِّي، إنِّي أحترمُكَ، سامحْني لقد أخطأتُ في حقِّكَ، يَعِزُّ عليَّ زعلُكَ، لا أريدُ الاستغناءَ عن تعاملِنا وعلاقتِنا، هذا سُوءُ تفاهمٍ). ثمَّ عليكَ ثانيًا أنْ تستمعَ جيِّدًا لمشاعرِ الطرفِ الآخرِ وتتفهمَ سببَ الخلافِ وسُوءَ التفاهمِ؛ فقد يكونُ الآخرونَ أساءوا فهمَكَ، وتكلَّمْ بكلِّ هدوءٍ، ولا داعيَ لإلقاءِ اللَّوْمِ على الطرفِ الآخرِ وتوجيهِ الاتهاماتِ إليه، واخترِ المكانَ والوقتَ المناسبَيْنِ للمناقشةِ، ولابدَّ أنْ يكونَ ذلك بينكَ وبينَ الطرفِ الذي تريدُ أنْ تُعاتبَه دونَ تدخُّلِ الآخرينَ في الحديثِ منعًا لتفاقمِ الأمورِ والآراءِ التي لا داعيَ لها.

اشرحْ موقفَكَ جيِّدًا، وضِّحْ أخطاءَكَ، وفسِّرِ الموقفَ جيِّدًا، واطلبْ في المرَّةِ القادمةِ – كاقتراحٍ بطريقةٍ لطيفةٍ – حلَّ الموقفِ فيما بعدُ حتى لا يتكرَّرَ. اختمِ العتابَ بكلماتٍ تُعبِّرُ وتكشفُ عن صفحِكَ ومحبَّتِكَ له، وأنَّكَ ما زلتَ تقبلهُ، وما زالَ وجودُ هذا الطرفِ هامًّا لديكَ.

  • Related Posts

    الفنان ريمون رمزي من مغاغة إلى أضواء الفن . رحلة موهبة بدأت من المدرسة ووصلت إلى كبار نجوم الدراما ج١

    حديث وحوار . روماني حلمي . عالم الفن والأدب في قلب مركز مغاغة بمحافظة المنيا، ووسط طبيعة عروس صعيد مصر الهادئة، وُلد حلم شاب عاشق للأضواء والكاميرا منذ الطفولة. حلمٌ…

    د . نيڤين كميل تكتب . أتلاعب بين الحياة والموت

    أتلاعب بين الحياة والموت . بقلم دكتورة نيڤين كميل خلف. خبيرة الدعم النفسي والتربية الأسرية الإيجابية عالم الفن والأدب قد تسلبنا ظروف الحياة وأنّاتها طابع الحزن والآنين، لتصبغ أرواحنا بلون الوجع، فنتحوّل…

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *