الوهم الاجتماعي سلسلة مقالات اجتماعية . المقال الثامن و العشرون بعنوان (وهم الكرسي والمنصب) بقلم روماني حلمي . عالم الفن والأدب .
في كثير من المؤسسات والهيئات والمصالح المختلفة، تتكرر مشاهد قد تبدو مألوفة للجميع؛ أشخاص يحيطون بأصحاب المناصب، يتسابقون لخدمتهم، ويتنافسون في إظهار الولاء والاهتمام، حتى يخيل للمسؤول أو صاحب المنصب أن الجميع يحبه ويقدره ويحترمه لشخصه ومكانته الإنسانية. لكن الحقيقة التي تكشفها الأيام غالبًا تكون مختلفة تمامًا.
فكم من مسؤول كانت الهواتف لا تتوقف عن الاتصال به، والأبواب مفتوحة أمامه، والوجوه باسمة في حضرته، والكل يسعى إلى إرضائه وخدمته. وما إن يغادر منصبه أو تنتهي فترة خدمته حتى يكتشف أن معظم هذه الوجوه قد اختفت، وأن كثيرًا من تلك الاتصالات قد انقطعت، وأن دائرة الاهتمام التي كانت تحيط به قد تقلصت بشكل كبير.
إن بعض الناس لا يخدمون الأشخاص بقدر ما يخدمون الكراسي التي يجلسون عليها، ولا يقتربون من المسؤول حبًا فيه أو تقديرًا لشخصه، وإنما طمعًا في نفوذ المنصب أو رغبة في تحقيق مصالح مستقبلية. لذلك فإن علاقتهم بالإنسان تنتهي غالبًا بانتهاء سلطته، ويتحول الاهتمام إلى من يشغل المقعد نفسه بعده.
ومن هنا تأتي النصيحة لكل صاحب منصب أو مسؤول يظن أن كثرة الملتفين حوله دليل على محبة الجميع له. فليس كل من يبتسم في وجهك صديقًا، وليس كل من يسارع إلى خدمتك يفعل ذلك حبًا في شخصك. اختبر العلاقات الحقيقية بعيدًا عن النفوذ والسلطة، فالأشخاص الذين يبقون إلى جوارك بعد زوال المنصب هم وحدهم الذين أحبوا الإنسان لا الكرسي.
كما أن من الحكمة ألا ينخدع المرء بالهتافات والمجاملات والاهتمام المبالغ فيه أثناء وجوده في موقع المسؤولية، لأن المنصب مؤقت بطبيعته، أما السمعة الطيبة والأخلاق الحسنة والمعاملة الكريمة فهي التي تبقى وتصنع رصيدًا حقيقيًا لدى الناس.
وفي المقابل، فإن اللوم يوجه أيضًا إلى أولئك الذين اعتادوا خدمة الكراسي لا أصحابها. فالمبادئ الحقيقية تقتضي احترام الإنسان وتقديره في كل الأحوال، سواء كان في منصب أو خارجه. فالوفاء لا يرتبط بالسلطة، والمحبة الصادقة لا تتغير بتغير المواقع الوظيفية.
إن المجتمعات الراقية تُقاس بمدى احترامها للإنسان لا لمنصبه، وبقدرتها على حفظ الود والتقدير لأصحاب العطاء بعد رحيلهم عن مواقعهم الرسمية. أما الذين يبدلون ولاءاتهم مع تبدل أصحاب المناصب، فإنهم يكشفون عن علاقات قائمة على المصلحة لا على الوفاء.
ويبقى الدرس الأهم الذي خرجت به عندما تركت عدة مناصب كنت مسئول عنها أحب أن أنصحك عزيزي القاريء واقول لك لا تفرح بكثرة من حولك وأنت في موقع القوة، ولا تحزن إذا انصرف الكثيرون بعد رحيلك عن المنصب. فالقلة التي تبقى إلى جوارك هي الثروة الحقيقية، وهي المعيار الصادق الذي يكشف من أحبك لشخصك ومن كان يحب فقط الكرسي الذي تجلس عليه.




